الدكتور الصادق الحمامي يكتب لحقائق أون لاين: هل يمكن أن نثق في إحصائيات قيس الجمهور ؟

ا

ثمة جدل يتجدد كل عام في شهر رمضان حول ما يسمى نسب المشاهدة والإستماع، إذ ينتقد  بعض أصحاب المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية على وجه الخصوص مصداقية الإحصائيات التي تنشرها مكاتب ما يسمّى “قيس المشاهدة و الإستماع”  أو قيس الجمهور mesure d’audience

أولا:ما أهمية الجدل حول قيس الجمهور (المشاهدة) ؟

ويتجدد هذا الجدل كل عام  في شهر رمضان بما أنه شهر الإنتاج التلفزيوني بامتياز تسعى فيه هذه القنوات إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من موارد السوق الإشهارية التي تتيح لها العمل  بقية العام.  ويحيل هذا الجدل في الحقيقة إلى ثلاثة رهانات على الأقل ذات أهمية بالغة :

يتعلق الرهان الأول باقتصاد التلفزيون التونسي الذي يقوم على الإشهار بشكل شبه كامل دون تطوير مداخيل أخرى  كبيع البرامج أو الإرساليات النصية SMS . وعلى هذا النحو تكتسي عملية قيس الجمهور أهمية بالغة لأن المؤسسات الاقتصادية أي المستشهرين تعتمد على هذه الإحصائيات لتنظيم إستراتجياتها الإشهارية أي توزيع الإشهار بطريقة عقلانية على مختلف القنوات الإذاعية والتلفزيونية، إذ تبحث هده المؤسسات على تثمينه. هكذا تتحكم مكاتب قيس الجمهور بشكل مباشر في مصير المؤسسات  الإذاعية والتلفزيونية الخاصة بل إنها تتحكم في تحديد قيمتها الاقتصادية  كمؤسسة بما أن رأسمال القناة يتمثل في جزء كبير منه في الجمهور التي تستقطبه. وعلى هذا النحو فإن مكاتب قيس الجمهور تمسك بين يديها اقتصاد التلفزيون مما يؤكد الطابع الحيوي والأساسي  لنشاطها.

أما الرهان الثاني قيتمثل في نموذج التلفزيون السائد الذي تساهم  في تشكيله عملية قيس الجمهور  التي توجه المعلن الذي يقرر وفقها وضع إشهاره في برامج بعينها. توجه مكاتب قيس الجمهور الإشهار الذي بدوره يوجه البرمجة التي يستهلكها التونسيون. هكذا  تتحكم مكاتب قيس الجمهور والمعلنون في طبيعة التلفزيون الذي نشاهده والإذاعة التي نستمع إليها  وفي نماذجها البرامجية

أما الرهان الثالث والأخير والذي لا ننتبه إليها دائما يتمثل في أن  إحصائيات “قيس الجمهور  تمثل مرآة للمجتمع فاستهلاك البرامج الإذاعية والتلفزيونية يعبر عن اتجاهات المجتمع. فما نشاهده وما نسمعه يعبر عنا وعن هوياتنا كأفراد وجماعة.فالنقاش حول إحصائيات قيس الجمهور  ليس إشكالية  إذن تقنية   تخصّ  اصحاب المؤسسات التلفزيونية والإذاعية ومكاتب قيس الجمهور والمؤسسات الاقتصادية، إشكالية يمكن اختصارها في نقاش بين الخبراء عن جودة هذه المنهجية أو تلك….

الخلاصة الاولى:  لقيس الجمهور  أهمية ثقافية واقتصادية بالغة الخطورة  مما يستوجب تنظيم هذا القطاع وفق المعايير الدولية حتى لا يؤدي إلى نتائج وخيمة على اقتصاد الإذاعة والتلفزيون  وعلى نموذج الميديا الإذاعية والتلفزيونية  التي نريده

ثانيا : ما هي المعايير الدولية لقيس الجمهور  ؟

تطورت  تجارب قيس الجمهور منذ أربعينات القرن الماصي في كندا (أنظر دراستنا لتجارب العالمية في مجال قياس الجمهور على العنوان التالي http://sadokhammami.com/ar/?p=272) إلى  أن استقرت الآن في شكل معايير  متعارف عليها في  المجتمعات التي تعرف  صناعة سمعية بصرية مهنية ومتطورة. وتفيد هذه المعايير أن نشاط قيس الجمهور تخضع إلى عملية تنظيم صارمة نظرا لأهميتها. والمبدأ السائد في أوروبا والولايات المتحدة هو أن تقوم المؤسسات الاقتصادية ومؤسسات الميديا السمعية البصرية ووكالات  الإشهار  أحيانا  بإنشاء مؤسسة تكون مستقلة عن كل الاطراف  تديرها بشكل تعاضدي وتعاوني لتوفير الإحصائيات بشكل علمي وصارم. ويعتمد هذا المبدأ في فرنسا حيث تتكفل مؤسسة تعاونية منذ عام 1995   (www.mediametrie.fr) بعملية قيس الجمهور وفي نجد في بريطانيا مؤسستين من هذا النوع واحدة تقيس  جمهور الإذاعة (www.rajar.co.uk) وثانية تقيس جمهور التلفزيون (www.barb.co.uk). وفي كلتا الحالتين نجد الأطراف التي أشرنا إليها  أي مؤسسات الميديا السمعية البصرية العمومية والخاصة والمؤسسات الاقتصادية.

أما في الولايات المتحدة  ورغم الطابع الليبرالي المحض لنظام الميديا  فإن الكونغرس الأمريكي تدخل في هذا القطاع  وأرسى لجنة للتفكير في تنظيمه (Harris Committee Hearings on Broadcast Ratings)  وتمخض عن أعملاها إنشاء  هيئة مستقلة  (mediaratingcouncil.org) تضع معايير قيس الجمهور  وتراقب تطبيقها بشكل رسمي

الخلاصة الثانية: لا يستجيب قطاع قيس الجمهور في تونس إلى المعايير الدولية التي تفترض تنظيما صارما بشكل يضمن استقلالية المؤسسة التي توفر الإحصائيات.

ثالثا : ما هي منهجيات قيس الجمهور ؟

تقوم منظومات قيس الجمهور على منهجيات علمية صارمة وخاصة على تكنولوجيات متطورة ذات تكلفة عالية لقيس الجمهور بشكل آلي عبر أجهزة تقيس المشاهدة والاستماع في سياقات  الاستهلاك المتعدد أي في البيت وخارجه وبواسطة أجهزة المشاهدة المختلفة.

ولا تستخدم مكاتب قيس الجمهور  في تونس هذه التكنولوجيات المتطورة لقيس الجمهور بسبب قلة إمكانياتها وهي تعتمد في الحقيقة على تقنية تشبه استطلاعات الرأي ما يدعونا موضوعيا إلى القول إن الإحصائيات المنشورة لا تستجيب إلى شروط الصرامة المطلوبة في هذا المجال الحساس

الخلاصة الثالثة : إن الوسائل التي تستخدمها مكاتب قيس الجمهور في تونس  تفتقد إلى التكنولوجيات التي تسمح بقيس دقيق لأن المنظومة التكنولوجية مكلفة  وهي الآن أصبحت لها أهمية بالغة في سياق تشظي fragmentation  المشاهدة والاستماع  بما ان التونسيون يستهلكون الإذاعة والتلفزيون عبر التلفاز وفي السيارة بواسطة الإنترنت والفايسبوك….

وإذا أخذنا بين الاعتبار الملاحظات لتي تقدمت فإن الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في عنوان المقال لا يمكن  أن تكون سوئ بالنفي. فكل المؤشرات تدعونا إلى الحيطة مما تنشره مكاتب قيس الجمهور نظرا لأنها لا تستوفي الشروط الضرورية من استقلالية وتكنولوجيا متطورة وشفافية ولا يعني هذا التشكيك في نزاهة هذه الشركات أو المكاتب لأن الأمر يتجاوزها نحو تحقيق مصلحة عامة لخدمة قاطع الميديا برمته بما أنه يوفر خدمة عامة للمجتمع

رابعا : في أهمية قرار الهايكا

تم إنشاء  الجمعية التونسية  لقيس الجمهور Association Tunisienne de Médiamétrie   في ماي 2016 كجمعية غير ربحية من أهدافها التدقيق ومراقبة دراسات الميديا والإشراف عليها وتنظيم قيسالجمهور  بطريقة تشلركية بين المهنيين والخبراء والجامعيين إلا أنه يبدو  هذه الجمعية لم تشرع بعد في أشطتها الفعلية (أنظر الموقع الخاص بالجمعية http://ata-audimetrie.org)

وتضمن المرسوم مرسوم عدد 116  لسنة 2011 الخاص بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري أحكاما خاصة بقيس الجمهور إذ جاء في الفصل 16 أن “الهيئة تعمل على العمل على سن المعايير ذات الطابع القانوني أو التقني لقيس عدد المتابعين لبرامج منشآت الاتصال السمعي والبصري ومراقبة التقيد بها”.

أما الفصل الثامن من كراسات الشروط فيشترط أن “يلتزم صاحب  الإجازة بالمعايير ذات الطابع القانوني  التقني  لقيس نسب المشاهد والاستماع.

لم  تضبط بعد المعايير  لكن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري  أصدرت  اليوم قرارا  هاما يمثل خطوة أولى لا بأس بها  في سبيل تنظيم هذا القطاع. ويتمثل القرار في  “منع  مكاتب الدراسات التي تقوم بقيس نسب الاستماع والمشاهدة أو طالبي الخدمة نشر نسب نتائج الاستماع والمشاهدة للمنشآت السمعية والبصرية وبثها بأي شكل من الأشكال إلا بإذن مكتوب من المنشآت المعنية بالنتائج المشار إليها”  كما تلتزم هذه المكاتب بنشر جميع المعطيات المتعلقة بالعيّنة المعتمدة وتمثيليتها وطرق وتفاصيل استجوابها، ومنهجية تحليل النتائج المستخلصة على موقعا الإلكتروني….

ويعطي قرار الهايكا الشرعية لمبدأ ضرورة أن يخضع قطاع قيس الجمهور إلى مبدأ التنظيم  أو التنظيم الذاتي   كما يضفي شفافية على  نشاط هذه المكاتب  ويتيح للمؤسسات السمعية البصرية مراقبة  من يحدد قيمتها الاقتصادية.

المقال الأصلي

تعرف على المؤلف

د. الصادق الحمّامي

للتواصل

أحدث المقالات

د. الصادق الحمّامي

Get in touch

Quickly communicate covalent niche markets for maintainable sources. Collaboratively harness resource sucking experiences whereas cost effective meta-services.